ابن الجوزي
35
القصاص والمذكرين
ففرغ من إنشاده وقد هزّ المجلس طربا ، ثم أخذ في شأنه وتمادى في إيراد سحر بيانه وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل . فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده ، لا إله غيره . . . « 1 » وكنّا قد شاهدنا بمكة والمدينة شرّ فهما اللّه مجالس من قد ذكرناه في هذا التقييد « 2 » فصغرت بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذّ في نفوسنا قدرا ، ولم نستطب لها ذكرا . . . وحضرنا له مجلسا ثالثا يوم السبت الثالث عشر لصفر بالموضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي ، فأخذت معجزاته البيانية مأخذها ، فشاهدنا من أمره عجبا ، صعد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا ، وأسال من أدمعهم وابلا سكبا ، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا إلى أن غلبته الرقة ، فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا ، وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا ، لهفان ينادي : يا حسرتا واحربا . والنادبون يدورون بنحيبهم دور الرحى ، وكل منهم بعد من سكرته ما صحا ، فسبحان من خلقه عبرة لأولي الألباب ، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب ، لا إله سواه ) « 3 » لقد كان ابن الجوزي صاحب مدرسة خاصة في الوعظ وكان إماما في ذلك لا يبارى ولا يجارى . * * *
--> ( 1 ) هذه النقط إشارة إلى أني حذفت بعض الكلام . ( 2 ) أي في هذا الكتاب . ( 3 ) « رحلة ابن جبير » 206 - 211